يرى الكاتب أن تؤسس الهجمات الأميركية على إيران، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى علي حسيني خامنئي، لمرحلة جديدة يتراجع فيها الالتزام بالقانون الدولي ويصبح استخدام القوة أداة معتادة في السياسة الدولية. يوضح الطرح أن يدفع هذا المسار النظام العالمي نحو مزيد من التفكك، ويقوّض المبدأ الأساسي الذي حظر لسنوات لجوء الدول إلى الحرب لتحقيق أهدافها الوطنية خارج إطار تفويض مجلس الأمن.

 

ينشر مركز تشاتام هآوس هذا التعليق التحليلي في سياق تصاعد التوترات الدولية، ويضع الهجمات الأخيرة ضمن نمط أوسع من النزاعات، مثل الحرب في غزة، والهجوم الإسرائيلي على قطر، والغزو الروسي لأوكرانيا، إضافة إلى تهديدات سابقة صدرت عن واشنطن تجاه جرينلاند. يعكس هذا السياق، وفق التحليل، تراجعًا ملحوظًا في مكانة القانون الدولي بوصفه مرجعية حاسمة في ضبط استخدام القوة.

 

بين الدفاع المشروع وحظر الحرب

 

يقوم النظام الدولي الحديث على موازنة دقيقة بين حق الدول في الدفاع عن نفسها وهدف منع الحروب وما تخلّفه من دمار. يحظر الميثاق استخدام القوة، لكنه يجيزها كملاذ أخير عند وقوع هجوم مسلح لا يمكن صده بوسائل أخرى. يستبعد هذا الإطار القانوني الحرب الوقائية التي يشنها طرف ضد خصم محتمل قبل أن يختل ميزان القوى، كما يرفض الحرب الاستباقية التي يسعى فيها طرف إلى توجيه الضربة الأولى لكسب أفضلية متوقعة.

 

يسمح القانون الدولي فقط بالدفاع الاستباقي في حال توفرت دلائل واضحة على هجوم وشيك لا مفر منه. يضرب التحليل مثالًا بضربة إسرائيل الأولى ضد مصر عام 1967، حيث استندت إلى استعدادات عسكرية مباشرة لهجوم واسع. أما في الحالة الإيرانية الراهنة، فلا تتوافر مؤشرات على هجوم وشيك ضد الولايات المتحدة، سواء داخل أراضيها أو ضد قواتها في الشرق الأوسط.

 

يبرر الرئيس الأميركي الهجوم بسجل طويل من الأعمال العدائية المنسوبة إلى إيران، بدءًا من أزمة الرهائن عام 1979 وصولًا إلى دعم جماعات مسلحة معادية. غير أن القانون الدولي لا يجيز استخدام القوة ردًا على مواقف عدائية عامة أو كعقاب على أفعال سابقة. يشترط القانون ضرورة وجود تهديد حالي ومباشر، وأن تشكل القوة الخيار الأخير بعد استنفاد البدائل.

 

يدّعي البيت الأبيض أن تطور إيران صواريخ باليستية عابرة للقارات قد تهدد الأراضي الأميركية مستقبلًا، إلا أن تقديرات عدة تشير إلى أن امتلاك هذه القدرة لا يزال بعيدًا لسنوات. كما يثير تعهد "محو" القدرات العسكرية الإيرانية تساؤلات حول مبدأ التناسب، الذي يفرض أن يقتصر الرد الدفاعي على ما يلزم لصد الهجوم دون تجاوز.

 

الأهداف الإنسانية وتغيير الأنظمة

 

يطرح التحليل إشكالية التدخل لأهداف إنسانية، ويشير إلى أنه يجوز استخدام القوة لحماية سكان دولة من حكومتهم في حالات الإبادة الجماعية أو التجويع القسري أو التهجير الواسع، كما حدث في رواندا عام 1994. غير أن هذا المبدأ يظل مثار جدل، ويشترط وجود كارثة إنسانية مستمرة وواسعة النطاق.

 

شهدت إيران احتجاجات وقمعًا في فترات سابقة، لكن يصعب اعتبار تلك الأحداث مبررًا قانونيًا لتدخل عسكري خارجي واسع. يتطلب التدخل الإنساني أن يهدف حصريًا إلى إنهاء حالة طوارئ إنسانية قائمة، ولا يسمح بتوظيفه غطاءً لتغيير النظام السياسي. كما تضعف شرعية التدخل إذا أسهمت الدولة المتدخلة في تأجيج الأزمة، وهو ما يثيره التحليل عند الإشارة إلى دعوات علنية صدرت لتشجيع الإيرانيين على الاستيلاء على مؤسساتهم.

 

اغتيال القيادة السياسية وتداعياته

 

يحظر القانون الدولي في أوقات السلم اغتيال القادة السياسيين، بينما يزداد الوضع تعقيدًا خلال النزاعات المسلحة. يقتصر الاستهداف المشروع على من يشاركون مباشرة في العمليات القتالية. يشير التحليل إلى أن تداخل القيادة السياسية والعسكرية في إيران يجعل الفصل بين الدورين صعبًا، ما يفتح نقاشًا حول مشروعية استهداف شخصيات عليا إذا اضطلعت بإدارة العمليات العسكرية.

 

مع ذلك، ينطوي اغتيال قائد سياسي أو ديني رفيع على مخاطر سياسية وقانونية جسيمة، إذ قد يحوله إلى رمز تعبوي ويعقّد فرص التفاوض لاحقًا. كما يخلق سابقة قد تدفع دولًا أخرى إلى تبني النهج ذاته، بما يوسع دائرة الاستهداف المتبادل بين القيادات.

 

نحو عالم تتراجع فيه المحاسبة؟

 

يرصد التحليل محدودية الإدانة الدولية للهجمات الأخيرة، باستثناء مواقف متوقعة من روسيا والصين، وبعض الإشارات الحذرة من دول أخرى إلى ضرورة احترام القانون الدولي دون توصيف صريح للانتهاك. يحذر الطرح من أن يؤدي هذا التردد إلى ترسيخ فكرة أن استخدام القوة في خدمة الأهداف الوطنية بات مقبولًا، خاصة لدى القوى الكبرى.

 

يرى التحليل أن يضعف هذا المسار القدرة على مواجهة اعتداءات مستقبلية من قوى أخرى، مثل روسيا أو الصين، لأن غياب معايير واضحة يفتح الباب لاتهامات بازدواجية المعايير. قد تندم الولايات المتحدة والدول التي امتنعت عن توصيف الهجوم خرقًا للقانون على فقدانها جزءًا من رصيدها القانوني والأخلاقي، إذا استُخدمت السوابق الحالية لتبرير نزاعات جديدة.

 

يخلص الطرح إلى أن حماية مبادئ حظر استخدام القوة تظل ضرورة ملحّة، حتى عند طرح أهداف تبدو مشروعة مثل منع الانتشار النووي أو دعم الحريات، لأن تآكل القواعد القانونية يهدد بإعادة العالم إلى منطق القوة بدل قوة القانون.

 

www.chathamhouse.org/2026/03/iran-attacks-president-trump-making-use-force-new-normal-and-casting-aside-international